المقريزي

332

المقفى الكبير

ثمّ مال الحرّ إلى الحسين فقاتل معه حتّى قتل . ففي ذلك يقول الشاعر المتوكّل الليثيّ [ الوافر ] : لنعم الحرّ حرّ بني رياح * وحرّ عند مختلف الرماح ونعم الحرّ ناداه حسين * فجاد بنفسه عند الصباح « 1 » فلمّا علم الحسين أنّهم قاتلوه قام في أصحابه خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : قد نزل بنا ما ترون من الأمور . وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واشمعلّت « 2 » حتّى لم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء الأخنس « 3 » ، عيش كالمرعى الوبيل . ألا ترون الحقّ لا يعمل به والباطل لا ينهى عنه ؟ ليرغب المؤمن في لقاء اللّه ، وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلّا [ ذلّا ] وندما . وناهض عمر بن سعد حسينا . وكان أوّل من قاتل مولى لعبيد اللّه بن زياد يقال له سالم . فصل من الصفّ ، فخرج إليه عبد اللّه بن تميم الكلبي فقتله ، والحسين جالس ، عليه جبّة خزّ دكناء ، قد وقعت النبل عن يمينه وعن شماله ، وابن له ابن ثلاث سنين بين يديه ، فرماه عقبة بن بشر الأسديّ فقتله . ورمى عبد اللّه بن عقبة الغنويّ أبا بكر بن الحسين بن عليّ فقتله . فقال سليمان [ بن قتة ] فيه [ الطويل ] : وعند غنيّ قطرة من دمائنا * وفي أسد أخرى تعدّ وتذكر « 4 » ولبس حسين لأمته وطاف به أصحابه يقاتلون دونه حتّى قتلوا جميعا وحمل عليّ بن الحسين الأكبر وهو يقول : أنا عليّ بن حسين بن عليّ * نحن وبيت اللّه أولى بالنبيّ من شمر وعمر وابن الدعيّ « 5 » وطعنه مرّة بن منقذ بن النعمان بن عبد القيس ، فحمل فوضع قريبا من أبيه فقال : قتلوك يا بنيّ ! على الدنيا بعدك العفاء . - وضمّه أبوه إليه حتّى مات . فجعل الحسين يقول : اللهمّ ، دعو [ ن ] نا لينصرونا فخذلونا وقتلونا ، اللهمّ فاحبس عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض ! فإن متّعتهم إلى حين ففرّقهم شيعا واجعلهم طرائق قددا ، ولا ترض الولاة عنهم أبدا ! . [ قساوة أصحاب ابن زياد ] وجاء صبيّ من صبيان الحسين يشدّ حتى جلس في حجره . فرماه رجل بسهم فأصاب ثغرة نحره فقتله . فقال الحسين : اللهمّ ، إن كنت حبست عنّا النصر ، فاجعل ذلك لما هو خير في العاقبة ، وانتقم لنا من القوم الظالمين . وخرج القاسم بن الحسين بن علي وهو غلام ، فحمل عليه عمرو بن سعيد [ بن نفيل ] الأزديّ فضربه فسقط [ الغلام لوجهه فقال : يا عمّاه ! فشدّ الحسين شدّة ليث غضب فضرب عمرا بالسيف ] . وجاءت خيل الكوفيّين [ ليستنقذوا عمرا من الحسين ] ، فحمل عليهم الحسين ، فجالوا ووطئوه حتّى مات . ووقف الحسين على القاسم فقال : عزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك يوم كثر واتره وقلّ ناصره ، وبعدا لقوم قتلوك ! - ثمّ أمر به فحمل ورجلاه تخطّ في الأرض حتّى وضع مع علي بن الحسين .

--> ( 1 ) البيتان غير موجودين في ديوان المتوكّل الليثي تحقيق يحيى الجبوري مكتبة الأندلس بغداد . د . ت . ( 2 ) اشمعلّت الإبل : تفرّقت . ( 3 ) الأخنس من الناس : القصير الأنف ، ولم نجدها للآتية . ( 4 ) البيت لسليمان بن قتّة في المقاتل 60 ولابن أبي عقب عند الطبريّ 6 / 65 . ( 5 ) في مقاتل الطالبيين 80 : رجز من سبعة أشطر .